أحمد
29-12-2003, 18:34
شروق البيت,,,
لضحى البيت في الشتاء مذاق خاص .. ورائحة خاصة لم أشمها منذ زمن .. صحوت هذا اليوم فعرفت كم أنا أكره المدرسة .. وكان أبى قد أخذ لي أذنا بالراحة بعد أن طال عنادي ومرضت .
الوقت ضحى ساطع .. ونور يغمر البيت .. في وقت لم أره كثيراً وهو يرسم ملامحه المتميزة على الجدران والأشياء .. لم أر الشمس تسقط علينا من هذا الشرق الجميل . فتملأ الساحة الصغيرة للبيت بهذا الضوء النورانى . كأنه الفرح يصب في بيتنا . رأيت أن أمي مشغولة فركضت إلي باب الشارع لأرى كيف تأتى شمس الصباح على شارعنا الصغير . فتحت الباب . وكما لو أنني أراه لأول مرة . بدا لي لأول وهلة أنه شارع آخر لا أعرفه . وجدت أن الشمس تأتيه من الجهة الأخرى . من الشرق . أليفة . طازجة وجميلة . وأدركت بعمق الإحساس كم أنا غائب عن أشياء رائعة ولها طعم خاص . جلست أتأمل الشارع بفرح من يتذكر زملاءه وهو يعانون في المدرسة كأنهم يبكون . وامتلأ رأسي فجأة . بصورة واحدة . لمدرس العربي عندما يتحدث يمتلئ فمه بالزبد الأصفر الذي يرشقه في وجوهنا كل صباح . كانت لحيته سوداء هائلة . وثوبه دائماً أسود فيبدو لي وأنا أتخيله أنه هو المدرسة نفسها . وأتذكر أيضاً زميلي خالد . ذات صباح عندما كنت أطل من نافذة الفصل على ساحة المدرسة ، فأرى البواب يجره إلى الفصل ويجلسه بجانبي وهو يبكى بوجه أحمر خجول . كنت أتأمل الشارع بعمق . وإذا حركة النساء كبيرة في هذا الوقت من اليوم ، يتبادلن مواد الطبخ وأنواع الأقمشة ويتحدثن كثيرا .. لأول مرة أسمع أصوات نساء حارتنا بهذا الشكل الواضح ..
امتلأت بإحساس أن الصباح دائماً لنساء الحارات .. بينما المساء لرجالها وطلاب المدارس . وكنت أيضاً أرى الأطفال الصغار . الذين لم يعرفوا المدرسة بعد . يلعبون بالأتربة جوار أبواب بيوتهم . وبعد وقت عدت إلى البيت بنشوة غريبة . فقد كنت أتمنى أن يطول هذا الضحى الجميل . أكبر قدر ممكن لكي يستمر هذا الإحساس معي بمعنى الحياة . وأعيش متمتعا به .. شربت الشاي مع أمي ومع جاراتها . ثم استلقيت على ظهري بينهن أتأمل فتحة سقف بيتنا . وأرصد حركة شمس الشروق على جدرانه بدهشة بالغة وفرح غامر . وكانت جارات أمي يلاطفنني بحركات مجاملة مضحكة . وكنت أكتفي بأن أنظر في وجوههن بكره . وبعضهن يسألن عن مدرستي فأصمت مملوءا بالرغبة أن يعجلن بالخروج . أغمض حدقتي وأتذكر بحزن تعاقب حصص المدرسة وثقلها وكنت نصف نائم عندما شعرت بحركة النساء. ثم تعود أمي إلى جانبي ، تعبث بأصابعها الرقيقة في شعر رأسي . وكنت أحس بكفها ثقيلة وناعمة . ودافئة تحت شمس الشتاء . فأستمتع بلذة قوية لم أستطع معها فهم ما كانت تحدثني عنه . حتى سألتني بمفاجأة وصوت مرتفع قليلاً : هل فهمت ؟ رفعت عيني إلى وجهها وأنا لا أعرف عن ماذا كانت تتحدث .. قلت لها : نعم . وسألتني ماذا ستقول لأبيك بعد أن يأتي ؟ فسكت .. فقالت : سوف تقول له أنك تحب المدرسة وأنك سوف تعود إليها .. فهززت رأسي وأنا أخفي رفضاً صارماً . وكنت أفكر كثيراً أنني أخاف من أبي . وركضت مذعوراُ كفأر إلى غرفة قصية مهملة . كنت أحفظ بها أشيائي وأنام في إحدى زواياها . بقيت ساعة في الغرفة الصغيرة لا أعرف ماذا أعمل ..كنت فقط أرسم خطوطاُ ليس لها دليل أو غاية . أخط في ورقة وأمزقها. حتى أحاطت بي الأوراق المشوهة من كل جانب وكنت أشعر برغبة في البكاء . نظرت إلى الأوراق المكومة حولي في ظلمة الغرفة . وإلى الشعاع الشمسي الذي يطل علي من ثقب صغير في نافذة الغرفة ، ولا أدري لماذا شعرت أنني لا أكره المدرسة فقط . بل أنني أكره البيت أيضاً بشكل غامض
لكم وافر تحياتي أحمد,,,
لضحى البيت في الشتاء مذاق خاص .. ورائحة خاصة لم أشمها منذ زمن .. صحوت هذا اليوم فعرفت كم أنا أكره المدرسة .. وكان أبى قد أخذ لي أذنا بالراحة بعد أن طال عنادي ومرضت .
الوقت ضحى ساطع .. ونور يغمر البيت .. في وقت لم أره كثيراً وهو يرسم ملامحه المتميزة على الجدران والأشياء .. لم أر الشمس تسقط علينا من هذا الشرق الجميل . فتملأ الساحة الصغيرة للبيت بهذا الضوء النورانى . كأنه الفرح يصب في بيتنا . رأيت أن أمي مشغولة فركضت إلي باب الشارع لأرى كيف تأتى شمس الصباح على شارعنا الصغير . فتحت الباب . وكما لو أنني أراه لأول مرة . بدا لي لأول وهلة أنه شارع آخر لا أعرفه . وجدت أن الشمس تأتيه من الجهة الأخرى . من الشرق . أليفة . طازجة وجميلة . وأدركت بعمق الإحساس كم أنا غائب عن أشياء رائعة ولها طعم خاص . جلست أتأمل الشارع بفرح من يتذكر زملاءه وهو يعانون في المدرسة كأنهم يبكون . وامتلأ رأسي فجأة . بصورة واحدة . لمدرس العربي عندما يتحدث يمتلئ فمه بالزبد الأصفر الذي يرشقه في وجوهنا كل صباح . كانت لحيته سوداء هائلة . وثوبه دائماً أسود فيبدو لي وأنا أتخيله أنه هو المدرسة نفسها . وأتذكر أيضاً زميلي خالد . ذات صباح عندما كنت أطل من نافذة الفصل على ساحة المدرسة ، فأرى البواب يجره إلى الفصل ويجلسه بجانبي وهو يبكى بوجه أحمر خجول . كنت أتأمل الشارع بعمق . وإذا حركة النساء كبيرة في هذا الوقت من اليوم ، يتبادلن مواد الطبخ وأنواع الأقمشة ويتحدثن كثيرا .. لأول مرة أسمع أصوات نساء حارتنا بهذا الشكل الواضح ..
امتلأت بإحساس أن الصباح دائماً لنساء الحارات .. بينما المساء لرجالها وطلاب المدارس . وكنت أيضاً أرى الأطفال الصغار . الذين لم يعرفوا المدرسة بعد . يلعبون بالأتربة جوار أبواب بيوتهم . وبعد وقت عدت إلى البيت بنشوة غريبة . فقد كنت أتمنى أن يطول هذا الضحى الجميل . أكبر قدر ممكن لكي يستمر هذا الإحساس معي بمعنى الحياة . وأعيش متمتعا به .. شربت الشاي مع أمي ومع جاراتها . ثم استلقيت على ظهري بينهن أتأمل فتحة سقف بيتنا . وأرصد حركة شمس الشروق على جدرانه بدهشة بالغة وفرح غامر . وكانت جارات أمي يلاطفنني بحركات مجاملة مضحكة . وكنت أكتفي بأن أنظر في وجوههن بكره . وبعضهن يسألن عن مدرستي فأصمت مملوءا بالرغبة أن يعجلن بالخروج . أغمض حدقتي وأتذكر بحزن تعاقب حصص المدرسة وثقلها وكنت نصف نائم عندما شعرت بحركة النساء. ثم تعود أمي إلى جانبي ، تعبث بأصابعها الرقيقة في شعر رأسي . وكنت أحس بكفها ثقيلة وناعمة . ودافئة تحت شمس الشتاء . فأستمتع بلذة قوية لم أستطع معها فهم ما كانت تحدثني عنه . حتى سألتني بمفاجأة وصوت مرتفع قليلاً : هل فهمت ؟ رفعت عيني إلى وجهها وأنا لا أعرف عن ماذا كانت تتحدث .. قلت لها : نعم . وسألتني ماذا ستقول لأبيك بعد أن يأتي ؟ فسكت .. فقالت : سوف تقول له أنك تحب المدرسة وأنك سوف تعود إليها .. فهززت رأسي وأنا أخفي رفضاً صارماً . وكنت أفكر كثيراً أنني أخاف من أبي . وركضت مذعوراُ كفأر إلى غرفة قصية مهملة . كنت أحفظ بها أشيائي وأنام في إحدى زواياها . بقيت ساعة في الغرفة الصغيرة لا أعرف ماذا أعمل ..كنت فقط أرسم خطوطاُ ليس لها دليل أو غاية . أخط في ورقة وأمزقها. حتى أحاطت بي الأوراق المشوهة من كل جانب وكنت أشعر برغبة في البكاء . نظرت إلى الأوراق المكومة حولي في ظلمة الغرفة . وإلى الشعاع الشمسي الذي يطل علي من ثقب صغير في نافذة الغرفة ، ولا أدري لماذا شعرت أنني لا أكره المدرسة فقط . بل أنني أكره البيت أيضاً بشكل غامض
لكم وافر تحياتي أحمد,,,