المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : &....أنفــاس الليل...&


أحمد
07-10-2003, 21:16
أخوأني وأخوأتي أعضاء عود الليل تحية طيبة وبعد
فهذة أولى محاولاتي في كتابة االقصةوالتي عسى ان تنال أعجابكم وأن تلاقي أستحسانكم.
المحب دوما,,,أحمد




أنفــــاس الليل

في هذا الليل البري ، البارد ، والهادئ ، والمخيف ، والممطر بهدوء، كنت أسمعه يأتي خفيفاً من بعيد ، كأنه صوت طائر محبوس ، أو صوت لكائن آخر لا أعرفه ، لكنه صوت أنيس ، يشبه الصفير أحياناً، وأحياناً يشبه الرنين البعيد .
أسمعه الآن ، وأنا أرتجف برداً ، بعد أن ترجلت من سيارتي التي هوت في منحدر صغير وسط براري المدينة القريبة ، حين كنت أبحث عن مخيم غامض الملامح.
أغلقت أبواب السيارة بعد أن أضأت نورها القصير ثم مضيت ، تجاه ضوء بعيد وشاحب ، يظهر أحياناً ويغيب فجأة ن ظللت أسير وسط الظلام ، على أرض مظلمة ، ورطبة لازالت تستقبل مطرها الخفيف ،وحولي ذلك الصوت الذي يأتي من كل الجهات موسيقياً وعذباً، يرن في أذني الآن بقوة ن صوت أليف ومميز وسط هذا الضياع الغريب ، حتى أنني لا أعرف اتجاه المدينة ، رغم الأضواء البعيدة والباهتة التي أراها تنبعث أحيانا من كل اتجاه أو تختفي فجأة وكأنها شهب دخلت في لعبة مسرحية مع ( خوفي ) الذي لم يبلغ منتهاه ، لكنه لازال ممتعا ومُنتظراً أو متحفزاً أو مندهشاً.
مشيت مسافة نصف ساعة تقريباً ، حتى أضعت أنوار سيارتي ، ولازال الصوت الخفي يتبعني ، مع صوت المطر على الأرض الرطبة ، والهواء البارد يضرب صدري ضربات متتالية ، حتى بدأت أشعر أن حلقي صار أكثر جفافاً وخشونة ، مع إحساسي بالدوار ، وخطواتي المتزنة أصبحت أقل اتزانا ، لكني ، أيضا ، بدأت أتحدث مع نفسي وأنا اضرب الأرض الممطورة بقدمي الرخوتين ، حتى عاد صوت الطائر المحبوس ، قادمانً، ربما من البعد يضئ ظلام الوقت والمكان والروح والأسئلة والخوف.
كنت أفكر ، وسط هذه الحالة بأشياء صغيرة ، أحياناً أمشي ، يأسا ، وعيناي على الأرض ، استرجع شريط حياتي القريبة ، وأخذت موقفاً من بعض الأشياء ، الممارسات ، بدأت أحاكم الرجل الذي كنته قبل هذا الضياع ، وكنت أتساءل : كيف تسنى لي ، أنا المغرور بذاتي، أن أتجاهل أشياء مهمة مثل …… ،
بدأت البحث في الكثير من الأفكار ، وإعادة تصوير الكثير من المواقف ، بدأت الأشياء والأفكار والصور واضحة وجلية أكثر من أي وقت مضى، ورأيت كيف تتداخل الصور المتناقضة والصحيحة مع بعضها البعض وكيف في ظل الانشغالات نقبل بكل شيء ، كنت أرى عالمنا مثل جزر معزولة ، وأرى المسرحية بكامل فصولها ، مع صوت ذلك الصفير البري أو الطائر المحبوس . كنت أعود إلى الطفل العظيم في داخلي ن وأشعر أن هذا المكان النائي بدأ يترك فيَّ أثراً من روحه ، مضمخاً برائحة جديدة ونفاذة لم ألفها بعد ، وكنت أحاول أن أتعايش مع هذا الألم بسرية ووقار ، في حين تنفجر الذاكرة بلا إرادة فيَّ مبتعدة هناك إلى الطفولة القصوى وإلى تعرية الواقع الذي كان واقعاً ضخماً ومسيطراً بضبابه ، قبل هذا الموقف.
لقد أحبب صوت الطائر المحبوس الذي يسير معي الآن ، لكني بدأت أشعر بالمسئولية أكبر ، بعد أن فقدت إضاءة سيارتي ، ثم تنبهت أنني قطعت الآن أكثر من ساعة ، فآن للمحارب أن يستريح قليلاً على ظهر حصاة مبلولة ، على إيقاع أنفاس الليل ، وصفير ذلك الطائر ، الذي ربما لا يكون طيراً.
على ظهر الحصاة الممطورة ، مكثت نحو عشر دقائق ، كأني أنتظر أحداً. وسط هذا الضياع ، في البراري المظلمة والممطرة ، لا يمكن أن تحدد بماذا تفكر ، لقد شعرت أنني لا ابحث عن حل ، بقدر ما أنتظر دليلاً ما لاتجاه المدينة الصحيح ، أو عابر سبيل ، أو نور لا يبتعد حين أمشي إليه.
كانت الخواطر والأفكار تأتي عشوائية على نحو مثير وفي وسطها تبرز صور غير معقولة ، تحاول الاقتراب من هذه الحالة الغامضة التي أمر بها. كنت أشعر أن قدماي المبلولتين أكثر ضعفاً ، وبدأ وجع جديد عند المفصلين ، أما ثيابي فقد أصبحت منذ فترة طويلة تقطر ماء السماء.
كان صفير الطائر المحبوس ، لا يزال يرن في أذني بقوة ، يحدثني عن أشياء كثيرة ، يثير الكثير من الشجن ، ويعيد ذكريات قديمة.
الآن بدأت أرى وجوها قديمة أعرفها ، في عتمة خفيفة أمامي ، بدأت أشعر بدوار ثقيل أيضاً، وأنا أتأمل وجوهاً اصطفت بجانب بعضها بتعابير مختلفة ، كل أصحاب هذه الوجوه ماتوا، وكلهم الآن يبدءون في الحركة ، يتقدمهم وجه والدي الذي فقدته منذ أكثر من ثلاثين عاماً ، كان أكثرهم وضوحاً بشعر وجهه الأبيض ، تقدم أكثر ويده اليمنى أمامه حتى لامست خدي فصحوت من خدري اللذيذ ، وبقى بعض الدوار الذي سمح لي بتوديعه ودائماً يليق بحجم الفقد ، وفي كل وقت كانت تظهر وجوها متفرقة وتغيب ، نساء ورجال فقدتهم منذ أزمنة بعيدة، في حوادث أو أمراض مختلفة ، وجوه تظهر ووجوه تغيب وأنا في حال إرهاق شديد ، أرى نفسي في وجه أبي ، أرى أسئلتنا المعلقة وأحلامنا المنكسرة ومتاعب وجوهنا جميعاً.
تركت ظهر الحصاة التي استرحت عليها قليلاً ، واتجهت نحو ذلك اللون الفضي البعيد الذي يشبه قبة في نهاية الأفق ، قلت : تلك هي إضاءة مدينة الرياض ، أما سيارتي التي فَقدتُ إضاءة نورها القصير فلم يعد بالإمكان العودة لها بأي طريقة ، ظللت أمشي حتى وجدت أن الساعة قاربت الواحدة صباحاً ، ولم اصل بعد ، إلى طريق يهديني إلى الشارع الرئيسي المؤدي إلى المدينة ، السماء مازالت تمطر بهدوء ، والليل هادئ تماماً.
ظللت أسير باتجاه الضوء الفضي الواسع في قبة السماء ، وفي رأسي تدور حكايات كثيرة عن أولئك الذين خرجوا من بيوتهم ولم يعودوا .. صاروا في عداد المفقودين ، وبدأت أهذي بكلمات غير واضحة ، صوت يخرج من داخلي يشعرني بالهزيمة واليأس . لو أن يداً ضخمة تقلني الآن إلى حضن كفها الدافئ ثم ترمي بي في سطح بيتنا . لو أن نهاراً يعجل بصباحه ، الآن ، لكي أعرف أين أنا ، أين الطريق.
مازال المطر خفيفاً ، ومازالت الأصوات المختلفة القادمة من بعيد تتداخل، وبدون أسباب بدأت أشعر ، بعد عشر دقائق من المشي السريع المتواصل، أشعر أنني قريب من مكان ما ، كانت هناك مناظر سوداء بعيدة كأنها جبال، وأحياناً تبدو كأنها جدران عالية مظلمة ، وحين اقترب منها تبتعد ، حتى بدأت أسمع أصوات سيارات شحن بعيدة ، بالتأكيد أنها تسير لي الخط السريع لطريق الرياض القصيم ، وبعد لحظات قليلة من المشي والانتباه المركز ، اصطدمت بجدار حقيقي،درت حول المبنى الصامت فوجدت به باباً مغلقاً ، ركضت إلى الطريق الترابي المؤدي إلى الطريق العام ، مكثت دقائق حتى توقفت شاحنة ، ثم ركبت بجوار السائق الهندي وأنا ألهث ، ولم أفق إلا وأنا مدثر بغطاء ثقيل في بيتي ، وقبل أن أتطامن في نومتي العميقة تذكرت حواري مع الطائر المحبوس ، حين كنت ضائعاً وسط البراري :
- قال الطائر المحبوس : عد إلى سيارتك ..
- قلت : كيف وأنا فقدتها منذ وقت طويل .
- قال : من خلال الطريق الذي سلكته سوف تصل إليها.
- قلت : هل أسير ساعة أخرى ؟
- قال : أفضل من المجهول الذي تذهب إليه ، الآن ، بقدميك .
- قلت : وماذا أفعل بسيارة في حفرة ممطورة ؟
- قال : تنام بداخلها حتى الصباح .
- قلت : بلا غطاء ولا ماء ؟
- قال : أفضل من المجهول الذي تذهب إليه .
كانت أنفاس ليل البراري تضئ بصخب في نومتي المتطامنة.

أنتهى,,,

اوركـيـديـا
15-10-2003, 09:58
قصة جميلة استمتعت بها صراحة


مشكور احمد ونتظر الاكثر


تحياتي لك ,,

ريــانة العـــود
15-10-2003, 13:33
يعطيك العافيه احمد وقصه رائعه

اقف مذهوله على ماكتبت وما سطره قلمك

المبدع وافكارك المتسلسله

ولايسعني الا ان اقول رائع وجميل مخطته

يداك وننتظر منك الكثير ...

تحــــــياتي


~§§||][(ريــانة العـــود)][||§§~

أحمد
15-10-2003, 16:53
هلا بك أختي أوركيديا وأشكرك لك مرورك
لك خالص تحياتي
أحمد,,,

أحمد
15-10-2003, 16:56
هلابك ريانة العود وأشكرك على مرورك وكلماتك الجميله
وبصراحه ماني عارف أيش أكتب لأنك أحرجتيني بكلامك
لك خالص تحياتي
أحمد,,,